سهير بن عمارة.. ممثلة تخلق شخصيات مدادها الصدق والعمق

سهير بن عمارة







هي إمرأة ترشح كل تفاصيلها جمالا، تنسج من خيوط الإنسانية مواقفها، تلاحق العمق في ثنايا حياتها، تهوى أن تكون مرآة لذاتها التواقة إلى التجدّد، تدين بدين الفن وتستنطق قدرتها على التقلب بين الشخصيات على أعتابه.


إنّها الممثلة التي تحاكي العنقاء في قدرتها على خلق الشخصيات تباعا بأرواح مختلفة وحيوات مغايرة، بارعة هي في الانتقال من دور إلى آخر لكأنها فراشة تعبر من زهرة إلى أخرى بكل شغف الكون.


في عينيها تختزن كل النظرات التي تبوح بما تعجز عنه الكلمات وفي ابتسامتها المتلونة على ايقاع الانفعالات أكثر من رسالة ومعنى، وفي نبرة صوتها النابعة من قلبها قدرة على شد المشاهد إليها.


أما أداؤها التلقائي فأخّاذ وينم عن عطاء للفن لاينبض وإيمان صادق به وقدرة على محاكاة شخصيات كثيرة دون تكرار أو استنساخ فما بُني على صدق وعمق لا يمكن ان يركن إلى الركود.


ومن التفاصيل التي تجعلها متفرّدة ومختلفة انها لا تعوّل على جمالها الخارجي فحسب بل تدأب على صقل موهبتها وتمضي وقتا كثيرا بين الكتب تنهل من حروفها ومعانيها فيصبح الجمال لعبتها التي تتقنها ظاهرا وباطنا.


متماهية هي مع قصص الشخصيات التي تؤدّيها حد الشك في أنّها تمثّل، قادرة هي على الانتقال بين المشاهد والتناقضات والثنائيات برشاقة وثقة من يسير فوق حبل على علو شاهق وهو مغمض العينين.


ممثلة تجاوز عشقها للتمثيل حدود الوطن وتخطّت شخصياتها الدراما التونسية لتشارك في المسلسل التاريخي "ممالك النار" (2019)، وفي المسلسل الخليجي "الخطايا العشر" (2018)، وفي المسلسل الليبي "دراجنوف" (2014).


قبل ما يزيد عن العشر سنوات برزت موهبتها في الجزء الأول من مسلسل مكتوب (2008)، لتتعاقب أدوارها في مسلسلات "عاشق السراب" (2009) و"أيام مليحة" (2010)، و"يوميات إمرأة" (2013) ليكون آخرها في "فلاش باك" في جزءيه (2016، 2017).


وفيما غابت عن الإنتاجات الدرامية التونسية في السنوات الاخيرة إلا أنها ولت وجهها شطر المسرح وحكت بخطواتها على الركح قصصا كثيرة في مسرحية " ربع وقت" لسيرين قنون، وهامت بالسينما وهي تتأهب لتخوض تجربة الإخراج بفيلم روائي طويل، وهي التي تراكم تجربة سينمائية من خلال المشاركة في عدد من الأفلام التونسية التي تركت بصمة في الساحة السينمائية المحلية والعالمية على غرار "طلامس" لعلاء الدين سليم و"الجايدة" لسلمى بكار" وما "نموتش" للنوري بوزيد و"دائما براندو" لرضا الباهي.


وهي اليوم تعود إلى الشاشة التونسية عبر مسلسل "الفوندو" لسوسن الجمني، بشخصية شدّت إليها الأنظار منذ ظهورها الأوّل، "ريم" المرأة التي تعاني اكتئابا وتتقلب بين صراعات داخلية نقلتها سهير بن عمارة إلى المشاهد بكل سلاسة.
رحلة خلق الشخصية..


عمّا شدّها في الشخصية تقول بن عمارة في حديثها مع حقائق أون لاين،أن تركيبة الشخصية مغرية بتمثيلها لا سيما وأنها لم تؤدّ سابقا دور إمرأة تعاني من اكتئاب، مشيرة إلى أنّها حينما تسلمت السيناريو تماهت مع خط الشخصية والاحداث التي تعايشها وانها اكتشفت تفاصيل المسلسل مع المشاهدين.


أما عن البناء البسيكودرامي للشخصية وقدرتها على تبليغ حالاته السيكولوجية، تشير محدّثتنا إلى أن ما من إنسان لم يمر باكتئاب أو شعور بالانتكاس في مرحلة ما من عمره وأنها تعي جيّدا معنى خوض هذه التجربة.


وهي تتحدّث عن التحضير للشخصية، تضيف أنها تستلهم تفاصيلها من اليومي ومن تجاربها وعلاقاتها ولقاءاتها، ملاحظة أنها لا تقف عند تجاربها بل تتطلع عما حولها في بناء الشخصية وأنها مولعة بعلم النفس وتطالع الكثير من المراجع التي خولت لها الإلمام ببعض التفاصيل.


وإن تماهت مع الشخصية حتى انتفت كل الحدود بينهما، إلا أنه لا يوجد أي قاسم مشترك بينهما واقعا، وفق حديث الممثلة التي تتحدّى كل المتغيرات من أجل الحفاظ على العمق والصدق في ادائها.


ومن أكثر المشاهد المرهقة في "الفوندو"، حسب حديثها، المشهد الذي تم تصويره في البحر والذي ينتهي بموجبه دور الشخصية بعد غرقها، إذ تقول إن التصوير كان في درجة حرارة منخفضة وان المياه باردة وهو ماجعلها غير قادرة على نطق النص من فرط الارتجاف، وقد شاركها الممثل محمد علي بن جمعة المعاناة.


رغم الظروف الخارجية غير الملائمة، سيطرت على جسدها المرتعش من فرط البرد لتكمل تصوير المشهد، علما وان التصوير دام من العاشرة صباحا إلى الخامسة مساء ليصل المشهد إلى الجمهور بماهو عليه من عفوية وصدق.


بخصوص تفاصيل تصوير هذا المشهد، تلفت إلى أنها كانت وشريكها فيه محمد علي بن جمعة يدخلان البحر فتتيبس اطرافهما حتى لا يقدران على الكلام فيخرجان ليتسلل إليهما بعض الدفء ومن ثم يعيدان الكرة، مؤكّدة أنه من أصعاب المشاهد التي صورتها في مسيرتها خاصة وأنه من غير الممكن ارتداء ملابس الغوص التي تقي من البرد.


وعن التفاعل بينها وبين المخرجة سوسن الجمني، تعرب محدّثتنا عن سعادتها بالتعامل وانها وجدتا أرضية مستركة مكنتهما من تفهما بعضهما البعض، مشيرة إلى أن للجمني تص

ورها للشخصيات وطريقة أداء الممثلين بصفتها مخرجة وكاتبة النص وأنها بصفتها ممثلة تحاول أن تتكيف مع هذا التصوّر.
ثقة وتكامل، هي سمات التكامل بينها وبين المخرجة من جهة وبينها وبين الممثلين من جهة أخرى، إذ تقول انها اكتشفت في نضال السعدي ممثلا من طينة ممتازة على الضعيدين المهني والإنساني وأن كيمياء سرت بينهما في المشاهد التي جمعتهما وانه كان معطاء في أدائه.


ولم تفوت الممثلة سهير بن عمارة الفرصة لتشكر الممثل محمد علي بن جمعة الذي شاركته التمثيل سابقا والممثلة درصاف مملوك التي تجتمع معها للمرة الأولى والممثل ياسين بن قمرة وكل الفريق التقني من المصورين إلى القائمين على التلبيس والماكياج وكل من أسهم في مسلسل "الفوندو".

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Pub 2

Pub 1